السيد محمد تقي المدرسي
25
من هدى القرآن
كلمة الرقيم تدل على الكتابة التي نقشها قوم أصحاب الكهف على باب الصخرة ، ولذلك سُموا بأصحاب الرقيم . حرية الإنسان تتحدى ومما يثير العجب في قصة أصحاب الكهف ، قدرة هؤلاء الفتية من البشر على الإفلات من أغلال الطاغوت ، وقيود الثقافة الفاسدة ، من دون رسالة أو رسول . فنحن نعرف أن الله يبعث رسولًا إلى قوم يعظهم فيؤمن به جماعة ويكفر آخرون ، ولكن أن ينبعث ضمير نقي في مجموعة فتية يعيشون تحت ركام الخرافات وفي ظل الظروف الفاسدة فيقولوا : ربنا الله ، ثم يتحملوا كل ما يترتب من آثار على هذه الكلمة ! ! إن هذه قضية تبدو غريبة وتثير العجب ، ولكن لدى التأمل الدقيق يتبين أن فطرة الإنسان مهيأة لتمييز الانحراف من الاستقامة ، وأن قدرة الله ونصرته تعين الإنسان الذي يستجيب لنداء فطرته . فكما أن الله يبعث رسولا ، وينزل عليه الملائكة والكتاب ، ويؤيده بروح منه ، كذلك إذا استجبت أيها الإنسان لنداء فطرتك واتبعت الحقيقة بعد أن عرفتها ، فإنَّ الله يزيدك هدى ويأخذ بيدك ، وهذه هي حكمة بيان قصة أصحاب الكهف حسبما يبدو . [ 10 ] إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً لقد التجؤوا إلى الكهف حيث لم يجدوا في الأرض ملجأً ، ولم يكن هناك من يسمع كلامهم ، أو يستجيب لهم فيعينهم ، فاضطروا إلى تلك الوسيلة التي لم يكن أمامهم غيرها . والإنسان عندما تضطره الظروف للإلتجاء إلى كهف داخل جبل في منطقة معزولة قفراء ، فإنَّ ذلك يعني أنه منقطع من كل أسباب القوة والأمن ، ومفتقد لكل نصير ومعين ، وهذا هو ما يحدث للذين يريدون أن يتحرروا من الأغلال ، ويغيِّروا الأوضاع المنحرفة . وحينما لم يجد فتية الكهف أحداً في الأرض ينصرهم التجؤوا إلى رب السماء سبحانه ، ودعوا الله أن يعطيهم أمرين : الأول : الرحمة أي الخير والتقدم ، وكل ما في الحياة من أسباب السعادة والفلاح . الثاني : أن يهديهم إلى الطريق السوي ، صحيح أن فطرتهم أوضحت لهم أن طريق قومهم خاطئ ، ولكنَّهم لم يكونوا يعرفون الطريق البديل . وقوله تعالى : وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً . يدل على ذلك .